"الموسيقى لغة الشعوب" عبارة نسمعها كثيراً في كل أرجاء العالم، تأكيداً على الأهمية التي تتمتع بها الموسيقى بمختلف أنواعها وأشكالها بين الناس، وذلك لقدرتها على اختراق عقولهم وقلوبهم بغض النظر عن مصدرها وهوية صانعيها.
ونظراً لمقدرة الموسيقى على البوح عن مكنونات صانعيها بأنغام هادئة تارة وصاخبة تارة أخرى، وقدرتها على تجاوز الحدود الجغرافية المرسومة، فقد بدأت العديد من الفرق الموسيقية الحديثة باستخدامها لابتكار ألوان جديدة، وهو ما طرأ على كل أنواع الموسيقى، ولاسيما موسيقى "الميتال" التي أحيطت بالعديد من إشارات الاستفهام حول ماهيتها وأهدافها ومرجعياتها الثقافية والفكرية والإبداعية، فمنهم من اعتبرها أداة للتأثير على عقول الشباب لإبعادهم عن جوهر الحياة وزجهم في متاهاتها الفارغة، ومنهم من رأى أن ظهور "الميتال" ناتج عن خلل اجتماعي، وأن هدفها القضاء على عادات وتقاليد الشعوب واستبدالها بقيم الرذيلة والانحراف، ومنهم من رأى فيها لوناً من الموسيقى وأهدافها لا تتجاوز حدود الترفيه وتفريغ الشحنات العصبية المكبوتة لدى الشباب.

جهينة- باسل أبو شاش:

وجهات نظر متضادة..!
في الشارع السوري تباينت آراء الشباب حول موسيقى الميتال مابين مؤيد ومعارض لها، حيث انبرى ماهر القاضي /طالب في الثانوية العامة/ للدفاع عن موسيقى الميتال، موضحاً أسباب استماعه لها بالقول: الميتال نوع موسيقي كبقية الأنواع الموسيقية، إلا أنها فُهمت بشكل خاطئ في مجتمعاتنا، الأمر الذي دفع البعض للنظر إليها على أنها لون من المحرمات، واستماعه لها يساهم في مساعدته على الهروب من واقعه الذي يعيش فيه، ويدخله في عالم جديد يحرره من جميع القيود الاجتماعية والقانونية التي يعيش فيها.
ويؤيده محمد غيث الحلبي /طالب في قسم الإعلام/ بالقول: موسيقى الميتال إنما وجدت لإراحة الناس من اضطراباتهم النفسية وتفريغ شحناتهم العصبية، حيث يستمع لها من كان مصاباً بنوبة عصبية، وموسيقاها الصاخبة تساعده على الخروج من حالته لتدخله في دائرة من الاسترخاء لا تستطيع أي موسيقى أخرى أن تحققها له.
من جهتها تقول زميلته مزنة كحالة /طالبة في قسم الإعلام/: إنها لا تستمع لموسيقى الميتال، فهي تشعر بالاستياء عند الاستماع لها نتيجة لافتقارها لشتى إيقاعات الجمال والرقي الأخلاقي، كما أنها لا تعتبر "الميتال" موسيقى جادة تحتوي على أي قيمة ثقافية، علماً أن الهدف من أي موسيقى في النهاية هو فائدة الإنسان والارتقاء بذائقته.
"الميتال" بعيون محترفيها
البداية كانت في مرحلة الطفولة حين جمعته الصدفة بشريط كاسيت يتضمن موسيقى من نمط جديد ومختلف لم يألف سماعه من قبل، الأمر الذي دفع حسام /19عاماً/ للتساؤل حول ماهية هذا اللون الموسيقي الغريب بآلاته وغنائه، ليصل بعدها لجواب مفاده أنها موسيقى الميتال.
سرعة الإيقاع والأجواء الصاخبة التي تتضمنها هذه الموسيقى، دفعت حسام أيضاً للتقرّب أكثر منها، فقد وجد فيها ما لم يجده في غيرها من الألوان الموسيقية العربية والغربية التي تتناول موضوعات رأى بأنها سطحية لا تتجاوز حدود الحب والهيام، في حين وجد في "الميتال" صديقاً يستوعبه في جميع حالاته النفسية من حزن وفرح.
ويؤكد حسام أن حبه لهذه الموسيقى دفعه للتعمق فيها والإبحار في عالمها ليتعرّف على فرقها ونجومها، ويعزف مقطوعات لبعض هذه الفرق بطقوسها ومظاهرها، ويلجأ لتغيير مظهره ويصبح اللون الأسود جزءاً أساسياً من حياته.
تعمق حسام في "الميتال" قاده للتقرب من أشخاص يشاطرونه الحب لهذا اللون الموسيقي، والذين بدورهم قاموا بتعريفه على بعض الشخصيات التي تستقطب الشبان المحبين لموسيقى الميتال، حيث كانوا يقومون بتزويد الشباب بما يحتاجونه من معدات موسيقية دون أي مقابل، الأمر الذي زرع الشك في قلب حسام ليتوصل بعدها إلى حقيقة مفادها أن هذه التجمعات تهدف إلى تخريب عقول الشباب وتدمير أخلاقياتهم الاجتماعية، من خلال إقناعهم بالتقرب أكثر من الجانب المظلم في موسيقى الميتال وهو "عبادة الشيطان".
ويعترف حسام أنه رغم إتباعه للميتال كموسيقى لا كعبادة للشيطان، إلا أن ذلك لم يكن كافياً لتبرير توجهه كعاشق للموسيقى، فثيابه السوداء أكسبته لقب "عابد شيطان" ليكون بذلك عرضة لنظرات الناس وتهكمهم وهمساتهم، ورفضهم له كعضو في هذا المجتمع خوفاً منه ومن موسيقاه، ليدفعوا به إلى هامش الحياة يعيش حياته وحيداً بين الناس، الأمر الذي أحدث نقلة نوعية في حياته ودعاه للبدء بمشروعه الهادف إلى تعريف الناس بهذه الموسيقى وأصولها وحقيقتها كفن يهدف لمساعدة الناس في حياتهم.
مابين الموسيقى والسياسة..؟
موسيقى الميتال دخلت مجتمعنا في أواخر التسعينات، ورافق دخولها حركة رافضة لها، تهدف إلى قمع وجودها والحدّ منها داخل هذا المجتمع، متهمين إياها بالسعي للقضاء على العادات والتقاليد الاجتماعية السامية، واستبدالها بقيم جديدة تسعى لهدم المجتمع عبر نشر مايعرف بـ"عبادة الشيطان"..
فهل الميتال هي فعلاً حركة سياسية دخلت مجتمعنا لترسيخ عبادة الشيطان؟ أم هي مجرد فن لقيَ في مجتمعنا أناساً تذوقوه وأحسوا بأهميته في حياتهم.
الدكتورة هزار الجندي أستاذة تاريخ الفكر السياسي والاقتصادي في قسم الإعلام بجامعة دمشق والمختصة بقضايا الشباب تقول: مشكلة هذه الموسيقى لا تكمن في ألحانها ولا في كلماتها، وإنما في كيفية ترويجها لأفكار تتناقض مع البنى الأساسية لمجتمعاتنا وأخلاقنا وقناعاتنا وعاداتنا وتقاليدنا، فموسيقى الميتال هي واحدة من الأمور التي قام الغرب بتصديرها إلينا والتي لا تتوافق مع هويتنا كعرب، حيث إن القائمين عليها يقومون بالترويج لأفكار تعتبر هدامة لأي مجتمع، وذلك نتيجة لإباحتهم الجنس والمخدرات بشكل صريح ودون قيود، معتبرين أن ذلك من ألوان التحرر والحداثة.
أما فيما يتعلق بحظر موسيقى الميتال في سورية، فترى الجندي أن العديد من البلدان الغربية التي تتسم بالحرية والديمقراطية تحظر "الميتال" فكيف بمجتمعاتنا التي تحاول أن تنهض بمشروعها الحضاري الذي يقوم أولاً وأخيراً على الشباب الذين يشكلون نصف المجتمع، ولذلك فإن الخشية أن تشكل هذه الموسيقى خطراً على مجتمعاتنا.. فالميتال هي خطة الهدف منها تهديم البنى الحضارية والأخلاقية للمجتمعات العربية لمنعها من الوصول إلى مشروعها الحضاري، لأن وصولها إلى هذا المشروع يعني قدرتها على تغيير وجه التاريخ مرة أخرى، مؤكدة أن هناك من يحاول أن يروّج لأفكار غريبة عن مجتمعاتنا تسعى لتغييب الانتماء الوطني من خلال مقولة "أنا لا أجد ذاتي في مجتمعي وإنما أجدها في مجتمعات أخرى".
في حين يقول سيمون مريتش مدرس في المعهد العالي للموسيقى: إن موسيقى الميتال تهدف لمعالجة قضايا البشرية بطريقة فلسفية بالاعتماد على الموسيقى الصاخبة التي تساعد مستمعيها على تفريغ الشحنات العصبية التي بداخلهم، إلا أنه وعلى الرغم من الهدف السامي الذي تسعى وراءه هذه الموسيقى، إلا أنها لقيت معارضة شديدة ولاسيما في مجتمعاتنا العربية نتيجة احتوائها تعبيرات ومظاهر عنيفة، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل حول حقيقة تناول هذه الموسيقى لقضايا حسّاسة في حياة الناس مثل الحروب والعنصرية بشكل لطيف بعيد عن العنف، وهو ما جسّدته موسيقى الميتال في جميع أعمالها بهدف إيصال لوحة تصويرية للمعاناة التي يعيشها الناس.
أما حول الربط مابين "عبدة الشيطان" وموسيقى الميتال، فيؤكد مريتش أنه يخالف رأي القائلين بالربط مابين الميتال وعبدة الشيطان، لأن الميتال موسيقى وجدت لإمتاع عازفيها ومستمعيها، ولا يعني أن استخدام بعض الأشخاص للميتال بأسلوب سيء لتحقيق أهداف معينة داخل بعض المجتمعات بأن جميع فرق الميتال سلبية وسيئة الغاية، فحيثما يوجد السلبي هناك الإيجابي، إذ أن العديد من فرق الميتال كانت سباقة في تسليط الضوء على المعاناة التي تعيشها البشرية، سواء داخل مجتمعات هذه الفرق أم خارجها، كما أنه يوجد فرق ميتال تعزف الموسيقى بهدف المتعة فقط لاعتقادهم اليقيني بأن آلاتهم أقدر على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم من ألسنتهم.
وأضاف مريتش: إن المجتمعات العربية رفضت "الميتال" بذريعة ترويج المخدرات والجنس وتضمنها لمشاهد الدماء، متناسين بذلك ما تعرضه الفضائيات العربية بشكل يومي من كليبات فاضحة لأشباه المغنين والمغنيات الذين يصمّون آذان المستمعين بأصواتهم التي تفتقر لأدنى حدّ من ألوان الجمال، حيث أصبح لديهم التعري على الشاشات أمراً مباحاً، بالإضافة طبعاً لكون الموسيقى المقدمة هابطة، مما يدفعنا للتساؤل عن سبب تقبلنا لمثل هؤلاء الأشخاص ورفضنا لآخرين.
---------------------------------------------------------------------------------
وفي النهاية... وكمستمع لهذه الموسيقى أقول انني لا احاول ان اجعل الاخرين من حولي يستمعون لهذا النمط من الموسيقى.. ولكني أظن انها أفضل طريقة لشرح معاني الحياة من وجهات نظر مختلفة غير التي نعرفها.. لا أقول كل الفرق.. وانما تلك التي تستحق الاستماع لموسيقاها.. فأنا اتفق مع ما ورد سابقا لكن أظن ان التمرد بسماع الموسيقى أو بتغيير نمط اللباس (وهو أقل أنواع التمرد برأيي, بما انه يعني الشخص كفرد ولا يحق لاخرين التدخل) لا يعني "عبادة الشيطان" ولكن البشر يخافون مما يجهلون.. وبصراحة أظن أن مجتمعن ككل جاهل بهذا المجال...
 

5
تقييمك:لا يوجد المعدّل:5 (1 vote)
العودة إلى أعلى الصفحة